من الوابل الصيب لإبن القيم رحمة الله عليه
قال رسول الله ﷺ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ.
وهذا النور الذي ألقاه عليهم ﷻ هو الذي أحياهم وهداهم، فأصابت الفطرة منه حظها، ولكن لَمَّا لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم، وأتمه بالوحي الذي ألقاه على رسله - عليهم الصلاة والسلام - والنور الذي أوحاه إليهم، فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور، فانضاف نور الوحي والنُّبُوَّة إلى نور الفطرة، نور على نور، فأشرقت منه القلوب واستنارت به الوجوه، وحييت به الأرواح، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعًا واختيارًا، فازدادت به القلوب حياة إلى حياتها.
ثم دلها ذلك النور على نور آخر هو أعظم منه وأجلُّ، وهو نور الصفات العليا الذي يضمحلُّ فيه كل نور سواه، فشاهدته ببصائر الإيمان مشاهدةً نسبتها إلى القلب نسبة المرئيات إلى العين، ذلك لاستيلاء اليقين عليها، وانكشاف حقائق الإيمان لها، حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى بارزًا، وإلى استوائه عليه، كما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه وكما أخبر به عنه رسول الله ﷺ، يدبر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقضي وينفذ، ويعز ويذل، ويُقلِّب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويُقلِّب الدُّول، فيذهب بدولة ويأتي بأخرى.
والرسل من الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - بين صاعد إليه بالأمر ونازل من عنده به، وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الأوقات، نافذة بحسب إرادته، فما شاء كان كما شاء، في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذُرَّاته، يقلبها ويصرِّفها، ويحدث فيها ما يشاء، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمة وحكمة، ووسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها، على تفنُّن حاجاتها، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تُغلِطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح المُلِحِّين ذوي الحاجات.
وأحاط بصره بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاءِ في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر، فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه، ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه ما لم يخطر بقلبه بعد، فيعلم أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا.
له الخلق والأمر، وله الملك وله الحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، وله الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، شملت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، ووسعت نعمته إلى كل حي: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، يغفر ذنبًا، ويفرج همًّا، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويعلِّم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويرشد حيرانًا، ويغيث لهفانًا، ويفك عانيًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويُؤَمِّن روعة، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور؛ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق؛ فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه.
قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره، الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، يقبض سمواته كلها بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزُّهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئًا، وأنا الذي أعيدها كما بدأتها، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا حاجة يُسألها أن يعطيها، لو أن أهل سمواته وأهل أرضه، وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم؛ ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم؛ ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه، وإنسهم وجنهم، وحيهم وميتهم، ورطبهم ويابسهم، قاموا في صعيد واحد؛ فسألوه فأعطى كلًّا منهم مسألته؛ ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، ولو أن أشجار الأرض كلها - من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا - أقلام، والبحر وراءه سبعة أبحر تمده من بعده مداد، فكُتِبَ بتلك الأقلام وذلك المداد؛ لفنيت الأفلام ونفد المداد، ولم تنفد كلمات الخالق تبارك وتعالى، وكيف تفنى كلماته ﷻ وهي لا بداية لها ولا نهاية؟ والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد، وكيف يفني المخلوق غير المخلوق؟
هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، تبارك وتعالى أحق من ذُكِر، وأحق من عُبِد، وأحق من حُمِد، وأولى من شُكِر، وأنصر من ابْتُغِي، وأرأف من ملك، وأجود من سُئِل، وأعفى من قَدِر، وأكرم من قَصَد، وأعدل من انتقم، حكمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن عزَّته، ومنعه عن حكمته، وموالاته عن إحسانه ورحمته:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ... كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ
وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا نِدَّ له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له، ولا صاحبة له، والعليُّ فلا شبيه له، ولا سميَّ له، كل شيء هالك إلا وجهه، وكل ملك زائل إلا ملكه، وكل ظلٍّ زائل إلا ظِلُّه، وكل فضل منقطع إلا فضله.
لن يطاع إلا بفضله ورحمته، ولن يُعْصَى إلا بعلمه وحكمته، يطاع فيشكر، ويعصى فيتجاوز ويغفر، كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، ونسخ الآثار وكتب الآجال، فالقلوب له مُفْضِية، والسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، عطاؤه كلام، وعذابه كلام: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].


